تستعد العاصمة اللبنانية بيروت لاحتضان مؤتمر «أجيال التحرير»، الذي ينظّمه مركز فلسطين الدولي في 19 أيلول/سبتمبر 2026، في محطة تسعى إلى فتح مساحة للحوار حول فلسطين، وذاكرة النضال، ودور الأجيال الجديدة في استنهاض الوعي الثقافي والمعرفي والسياسي لشبابنا في المخيمات الفلسطينية.
يأتي انعقاد المؤتمر في بيروت بما تحمله المدينة من مكانة خاصة في التاريخ الفلسطيني المعاصر؛ فهي لم تكن يوماً مجرد مدينة احتضنت الفلسطينيين، بل شكّلت على مدى عقود مساحةً أساسية للنقاش السياسي والثقافي والإعلامي الفلسطيني والعربي، واحتضنت أجيالاً من المناضلين والمثقفين والفنانين والطلاب والناشطين، وشهدت شوارعها ملاحم ومعارك بطولية عديدة.
من جيل إلى جيل: نحو فلسطين
يحمل عنوان المؤتمر، «أجيال التحرير»، دلالة تتجاوز البعد الزمني لكلمة «أجيال». فالقضية الفلسطينية، منذ النكبة، لم تنتقل من جيل إلى آخر بوصفها ذكرى فقط، وإنما بوصفها قضية حية مرتبطة بالهوية والعدالة وحق الشعب الفلسطيني في التحرير والعودة.
إنّ شباب المخيمات، اليوم، لا يحتاجون إلى منابر جديدة للخطابات، بل إلى مساحة فلسطينية حرة يتحدثون فيها بأصواتهم عن واقعهم ومعاناتهم، وعن الفقر والبطالة والحرمان والتضييق الذي يطاولهم، وعن مستقبل مخيماتهم، ويحوّلون هذه المعاناة إلى قوة منظمة للعمل والمبادرة والنضال من أجل الحقوق.
في الوقت ذاته، فإن مسؤولية الشباب الفلسطيني في لبنان لا تتوقف عند حدود المخيمات. فالشعب الفلسطيني واحد، والقضية واحدة، والمعركة واحدة. ومن هنا تأتي ضرورة بناء جسور متينة بين شباب المخيمات والشباب الفلسطيني في الوطن والشتات، وتعزيز التواصل مع الحركات الشبابية والطلابية وحركات التضامن والتحرر حول العالم.
يدرك الشباب الفلسطيني في أعماقه أن معركته ليست هامشية، ولا يمكن اختزالها في قضايا الخدمات أو النشاطات الموسمية، بل هي معركة وجودية ضد الشطب والإبادة ومن أجل الهوية والكرامة والوجود، وهي معركة الدفاع عن حق اللاجئين في الحياة الكريمة، وعن حقهم الثابت في العودة إلى فلسطين.
ومن هنا تبرز أهمية البحث في دور الأجيال الجديدة، التي تواجه واقعاً فلسطينياً وعربياً ودولياً مختلفاً، وتستخدم أدوات جديدة في الإعلام والثقافة والعمل الشبابي والحقوقي. وهي أجيال تبحث عن طرق جديدة للحفاظ على حضور فلسطين، في وقت أصبحت فيه المعركة على الرواية والوعي والذاكرة جزءاً أساسياً من الصراع.
اختيار بيروت مكاناً لانعقاد المؤتمر يضيف إلى عنوانه معنى خاصاً. فالمدينة ارتبطت تاريخياً بالحضور الفلسطيني، وبالمخيمات الفلسطينية في لبنان، وبالحركة الثقافية والإعلامية والسياسية التي رافقت مراحل مختلفة من مسيرة القضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يمكن للمؤتمر أن يشكل مساحة تجمع بين الذاكرة والتجربة وبين الأسئلة التي تواجه الجيل الجديد: كيف يمكن أن نعيد المخيمات إلى دورها الريادي في قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية؟ وكيف تنتقل الذاكرة من جيل إلى آخر؟ وما دور الثقافة والفن والإعلام والتعليم والشباب في إبقاء فلسطين حاضرة في الوعي العام؟ وكيف يمكن لنا كشباب في المخيمات أن نحصل على حقوقنا المعيشية في لبنان؟
جيل جديد… أسئلة جديدة
«أجيال التحرير» يمكن أن يكون مناسبة لإعادة طرح مفهوم التحرر الفلسطيني من زاوية أوسع؛ فالتحرر لا يرتبط فقط بالسياسة، بل يرتبط أيضاً بالمعرفة والهوية والثقافة والمقاومة والقدرة على إنتاج الرواية الفلسطينية وحمايتها من النسيان.
وأيضاً من التحرر من سياسات التضييق والحصار التي تمارسها الحكومة اللبنانية على المخيمات الفلسطينية في مجالات العمل والتعليم والصحة والبنى التحتية وإدخال مواد البناء وغيرها.
وفي هذا الإطار، مشاركة الشباب والأجيال الجديدة عنصر أساسي في أي نقاش حول مستقبل المخيمات الفلسطينية، فالشباب الفلسطيني في المخيمات يعيش واقعاً مختلفاً عن واقع الأجيال السابقة، لكنه يحمل في الوقت نفسه ذاكرة لم تبدأ معه، بل وصلت إليه، لكنها تصطدم بمحاولات معادية لإعادة هندستها مجدداً. لذلك نقول:
آن الأوان لشباب وشابات المخيمات الفلسطينية أن يقولوا: كفى عبثاً بمستقبلنا، نريد حقوقنا كاملة، نريد استنهاض مخيماتنا، نريد العودة.
حان الوقت لكي يتقدم شباب فلسطين إلى الصفوف الأولى، وأن يأخذوا مكانهم الطبيعي في قيادة العمل الوطني والاجتماعي، وأن يتحولوا من جمهور ينتظر إلى جيل يعمل ويبادر، ومن طاقات مشتّتة إلى قوة منظمة.
أجيال التحرير تولد وتبدأ من المخيم لكنها دائماً تسير في طريق العودة نحو فلسطين المحررة من النهر إلى البحر.
* إعلامي فلسطيني
